الشارع… الفضاء الوحيد الذي ما زال يقول الحقيقة

الشارع في المغرب ماشي غير طريق كيقطعوه الناس باش يوصلو للخدمة، أو فضاء كيضيعو فيه الوقت، أو مكان كيحتضن الحركة اليومية للمدينة. الشارع اليوم ولى بحال مرآة كبيرة كتفضح كلشي: الفقر، الغلاء، البطالة، الغضب، والأمل اللي كيتشرد مرة وكيجمع راسو مرة أخرى. فالوقت اللي بزاف ديال المؤسسات الرسمية كتقدم صور مصقولة عن الواقع، فالشارع كيقدّم الحقيقة بصوت واضح، بلا زواق، بلا تلميع، بلا بروتوكول.
في الشارع، كتسمع كلام الناس كما هو، كتسمعهم بلا خوف، بلا تردد، بلا “نعدل العبارة”. الشارع كيهضر بلغة مباشرة:
واحد كيقول “العيشة ولات صعيبة”،
وآخر كيقول “الغلاء كيلبس وجه جديد كل أسبوع”،
وثالث كيضحك بسخرية على القرارات اللي كتجي بلا تفسير ولا نتيجة.
هنا، وسط الزحام والضجيج، كتتفهم جيدا المزاج العام، وكتفهم شنو واقع فالبلاد بلا ما تحتاج بحوث ولا خطط تواصلية.
الشارع هو الفضاء اللي باقي ما تشراش، وما تلوّنش، وما تصنعش فيه الواقع على المقاس. حتى ملي الإعلام الرسمي كيحاول يقدم رواية معينة، الشارع عندو رواية أخرى، وكتكون غالباً أقرب للمعنى، وأقرب للحقيقة. ملي كتجلس فطاكسي، ولا كتسمع فالمقهى، ولا كتدوز حدا السوق، كتلقى الناس كيعطيو تحليلات سياسية بلا ما يقراو علوم سياسية، وكيشخصو الوضع بلا ما يحتاجو خبراء. هاد “العلم الشعبي” اللي كينبثق من التجربة اليومية هو اللي كيعطي للشارع قيمة خاصة، لأنه يعكس الواقع كما يعيشه الناس، لا كما يُكتب في التقارير.
الشارع أيضاً هو أول مكان كيبين الغضب الشعبي. ملي كيكون ضغط اقتصادي، كتلاحظ التوتر فتعامل الناس. ملي كتكون قرارات غير مفهومة، كيتزاد النقاش والحدّة. ملي كتكون أزمات، الشارع أول مؤشر. لا يحتاج استفتاءات ولا مؤشرات معقدة. أنت فقط تمشي وسط الناس، وكتفهم كلشي. كتشوف وجوه مرهقة، كتسمع ضحكاً فيه سخرية أكثر مما فيه فرح، كتجيلك نظرات كتقول “راه ما بقا ما يتخبى”.
الحقيقة أن الشارع اليوم ولا أصدق من جزء كبير من الخطاب السياسي. السلطة كتقول “الإصلاح مستمر”، الشارع كيقول “الواقع ما تبدلش”. السلطة كتقول “الوضع تحت السيطرة”، الشارع كيقول “حنا اللي تحت الضغط”. السلطة كتقول “الاستثمار مزدهر”، الشارع كيقول “الجيب خاوي”. هذا التناقض ماشي غير لغوي، هو فجوة كتفصل عالمين: عالم منضبط ومهندس، وعالم حي وصادق.
والجميل فالأمر… أن الشارع ما زال كيحتضن الأمل، رغم كل شيء. الناس ما زالين كيهضرو على الإصلاح، على التغيير، على مستقبل أفضل. وحتى وسط الغضب، كاين حس مجتمعي قوي، كاين تضامن، كاين نقاش، كاين وعي. الشارع ماشي فضاء ديال الفوضى كما كيقدّموه البعض، بل فضاء ديال التفكير الجماعي، فضاء ديال السؤال، ديال النقد، ديال التعبير الحر.
ولكن، كيظل السؤال الكبير:
واش غادي تبقى الحقيقة محصورة فالشارع فقط؟
ولا غادي يجي نهار كيولي صوت الشارع جزء من القرار، جزء من التخطيط، جزء من رؤية البلاد لمستقبلها؟
اللي أكيد هو أن الشارع عمرو ما كيتكذب.
أول ما يستشعر الظلم، كيعبّر؛
أول ما يشوف شيء ماشي معقول، كيقول؛
وهاد الصراحة—اللي كتخوف السلطة أحياناً—هي نفس الصراحة اللي كتنجّي الأوطان ملي كتضيع البوصلة.
الشارع باقي كيقول الحقيقة…
باقي كيحمل صوت الناس…
وباقي هو الفضاء اللي ما زال كيتنفس فيه الوطن بلا ما يخاف من الحقيقة.

