زوم

الرأي في المغرب… صراع بين الكلام الذي يُقال والكلام الذي يجب أن يُقال

في المغرب، صناعة الرأي ليست ترفاً ثقافياً، ولا مجرد تعليق على الأحداث. إنها جزء من معركة أعمق: معركة البحث عن الحقيقة وسط ضجيج كبير، ونظام اجتماعي وسياسي لا يمنح دائماً مساحة واضحة للكلام الحر. حين يقرر المغربي أن يُعبّر عن رأيه، فهو لا يواجه فقط خصومه، بل يواجه أيضاً تاريخاً طويلاً من الحذر… من الخوف… من “خليها ساكتة”… من تربية اجتماعية تعوّد الناس على الاختصار: “ماشي شغلي.” لكن اللحظة التي نعيشها اليوم مختلفة. هناك جيل لم يعد يقبل بالصمت، جيل يبني رأيه من الشارع، من الإنترنت، من التجارب، لا من الخطابات الجاهزة. في المقاهي، في الجامعات، في مواقع التواصل، هناك موجة كبيرة من الأسئلة: لماذا تتكرر الأخطاء؟ لماذا يبقى الفساد قائماً؟ لماذا لا تُشرح القرارات؟ ولماذا يشعر المواطن أن قول الحقيقة أصبح فعلاً بطولياً؟ هذه الأسئلة لا تأتي من رغبة في التصادم، بل من رغبة في الفهم… لأن الغموض أخطر من الخطأ. الرأي في المغرب اليوم هو تمرين على الشجاعة. شجاعة في مواجهة “العقل الجماعي” الذي يخاف من التغيير، وشجاعة في مواجهة سلطة اعتادت أن تحتفظ بالمعلومة لنفسها، وشجاعة في مواجهة مجتمع يجلد من يفكر بطريقة مختلفة. لكن الجديد اليوم هو أن الناس يكتبون رأيهم لا لأنهم “يعارضون”، بل لأنهم يريدون أن يشاركوا في صناعة مستقبلهم. يريدون أن تكون لهم كلمة في السياسات، في الاقتصاد، في القوانين، في طريقة إدارة الدولة، وفي شكل المغرب الذي سيعيش فيه أطفالهم. هذا الانفجار في التعبير ليس خطراً… بل فرصة تاريخية. بلدان كثيرة تطورت لأن الناس تكلموا، وليس لأنهم سكتوا. الرأي الحر ليس تهديداً للاستقرار؛ هو حماية له. لأنه حين يتكلم الناس، يقلّ الغضب، وتصبح الدولة أقرب، وتصبح الأخطاء أقل فداحة. لكن الحرية دون حماية تتحول إلى سيف. والخوف من التعبير يجعل الناس يُخفون ما يجب قوله. لذلك يحتاج المغرب إلى بيئة تحترم الرأي، لا تجرّمه، وتفتح النقاش بدل أن تغلقه. الرأي ليس عراكاً، ولا سباقاً نحو “الترند”، بل هو مسؤولية أخلاقية. أن تقول ما تراه… حتى لو تقاطع مع ما يراه الجميع. أن تشرح ما ترفضه… وتفهم ما تقبله… وأن تبني فكرك على المعرفة، لا على الغضب. في النهاية، يبقى الرأي مرآة المجتمع. وإذا أردنا مغرباً أقوى، فلا بد من رأي أقوى. رأي لا يخاف، ولا يصرخ، بل يفكر… ويعيد التفكير.

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد