يحتاج المغرب اليوم إلى وضوح سياسي لا يترك مجالاً للالتباس. فالبلاد وصلت إلى لحظة تتطلّب قرارات صريحة تعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتفتح المجال أمام إصلاحات حقيقية تستجيب لتطلعات جيل شاب يرفض التكرار ويبحث عن مستقبل مستقر وعادل. المدخل الأول لهذا الوضوح هو تحقيق انفراج سياسي شامل. معالجة ملفات معتقلي الحراك ومعتقلي الرأي والنشطاء السلميين أصبحت ضرورة وطنية، لا لأن أحداً يضغط من الخارج، بل لأن الاستقرار الداخلي نفسه يتقوّى عندما يشعر المواطن أن صوته ليس جريمة، وأن الدولة قادرة على التعامل مع الاختلاف بروح المسؤولية لا بمنطق الردع. طيُّ هذه الملفات يفتح نافذة ثقة جديدة ويُظهر قدرة الدولة على حماية الأمن دون المساس بحقوق التعبير السلمي. على المستوى السياسي، لا يمكن الاستمرار في إدارة الشأن العام بالآليات نفسها. يحتاج المغرب إلى إرادة واضحة لتجفيف منابع الفساد وتفكيك اقتصاد الريع الذي يُضعف المؤسسات ويخلق تمايزات غير مبررة. وضوح الدولة في هذا الملف هو أول شرط لبناء مؤسسات قوية تحظى بالاحترام، ولترسيخ مبدأ تكافؤ الفرص الذي يمثّل جوهر العدالة الاجتماعية. كما أن إصلاح المنظومتين التعليمية والصحية لم يعد خياراً سياسياً بل أولوية وطنية. التعليم يجب أن يكون رافعة إنتاج الكفاءات، لا عبئاً يحدّ من فرص الشباب. والصحة يجب أن تصبح خدمة عمومية فعّالة، تحترم كرامة المواطن وتعيد له ثقته في النظام الاجتماعي. أما التشغيل، فلا يمكن فصله عن نموذج اقتصادي جديد مبني على الابتكار، على دعم المقاولة المواطِنة، وعلى فتح مجالات شغل حقيقية للشباب، بعيداً عن الوعود الفضفاضة. وفي قلب أي تحول سياسي يقف سؤال الحريات العامة. حماية حرية الرأي والتظاهر السلمي، ومراجعة قانون الانتخابات بما يجعله أكثر عدلاً وشفافية، وإعادة النظر في ظهير 1958 لتطويره بما يلائم واقعاً اجتماعياً تغيّر كثيراً، كلها خطوات ضرورية لتقوية الحياة السياسية وضمان مشاركة فعلية للمواطنين في القرار العمومي. ومع ذلك، فإن كل هذه الإصلاحات يجب أن تأتي داخل الإطار الوطني الذي يجمع المغاربة: احترام ثوابت الدولة، صون السلم الاجتماعي، وتعزيز الإجماع حول الوحدة الترابية. الشباب لا يبحثون عن زعزعة الاستقرار، بل عن تحديثه. ولا يطالبون بتغيير مؤسسات الدولة، بل بتقوية دورها وضمان فعاليتها. جيل زد لا يقدم احتجاجاً، بل يقدم رؤية. رؤية واقعية تقول إن المغرب قادر على أن يكون أقوى وأكثر عدلاً، وإن الخطوة الأولى نحو هذا المستقبل تبدأ بشجاعة سياسية تُخرج البلاد من دائرة الانتظار إلى دائرة القرار. المغرب يستحق شجاعة أكبر… وشجاعة اليوم هي أن نتحرك قبل أن تسبقنا التحولات.