الديمقراطية المؤجلة: كيف تدار الانتخابات من خلف شاشات معطلة

لم يعد العزوف الانتخابي في المغرب ظاهرة عابرة يمكن تفسيرها باللامبالاة أو ضعف الوعي السياسي كما تحب الخطابات الرسمية ان تردد. ما نعيشه اليوم هو مسار طويل من تفريغ الانتخابات من معناها وتحويلها من لحظة سيادية للمواطن الى إجراء اداري مضبوط بإحكام حيث يتم التحكم في المدخلات قبل الحديث عن النتائج
منذ سنوات والدولة تعلن ان الانتخابات هي مدخل الاصلاح وان المشاركة هي السبيل الوحيد للتغيير لكن في المقابل يتم تضييق هذا المدخل خطوة خطوة. لوائح انتخابية يصعب الولوج اليها منصات رقمية معطلة آجال قصيرة خطاب زجري بدل خطاب تحفيزي وغياب تام لاي نقاش عمومي حول شروط النزاهة والمساواة. هكذا يتم تدبير العملية الانتخابية في صمت اداري بارد بينما يطلب من المواطن ان يثق ويشارك
العزوف ليس سببا بل نتيجة. نتيجة شعور واسع بان الصوت لا يغير وان النتائج محسومة وان موازين القوة الحقيقية لا تمر عبر صناديق الاقتراع. المواطن الذي جرب التصويت ولم ير اثرا على حياته الاجتماعية ولا على السياسات العمومية يعود الى بيته مقتنعا ان المشاركة مجرد واجب شكلي لا قيمة سياسية له
التحكم لا يظهر فقط في النتائج بل في المسار كله. في من يحق له التسجيل ومن يصعب عليه ذلك. في من يملك المال والنفوذ للوصول الى الناخبين ومن يقصى من الفضاء العمومي. في قوانين انتخابية تفصل على مقاس التوازنات القائمة وتفرغ التنافس من مضمونه الحقيقي. هكذا تتحول الانتخابات الى آلية لإعادة انتاج نفس النخب بدل تجديدها
الدستور يتحدث عن ربط المسؤولية بالمحاسبة وعن سيادة الشعب لكن هذه المبادئ تظل معلقة حين لا تتوفر شروط المنافسة العادلة وحين تغيب استقلالية القرار السياسي عن مراكز النفوذ الاقتصادي والاداري. الديمقراطية لا تختزل في يوم التصويت بل تبدأ من حرية التنظيم وحرية التعبير وتكافؤ الفرص والوصول العادل الى المعلومة والى اللوائح الانتخابية
ما يحدث اليوم هو مفارقة خطيرة. الدولة تريد نسب مشاركة مرتفعة لتأكيد الشرعية لكنها لا تريد فتح المجال الحقيقي للمنافسة. تريد انتخابات هادئة بلا مفاجآت ولا صراعات سياسية حقيقية. تريد مواطنا مطيعا لا مواطنا فاعلا. في هذا السياق يصبح العزوف شكلا من اشكال الاحتجاج الصامت ووسيلة لقول لا بطريقة غير مباشرة
الرقمنة التي تقدم كحل سحري تتحول في غياب الارادة السياسية الى اداة اقصاء جديدة. حين تعطل المنصات وحين لا ترافقها حملات تواصل حقيقية وحين لا تتحمل الادارة مسؤوليتها يصبح الحديث عن التحديث مجرد واجهة. الديمقراطية لا تدار بالخوادم بل بالثقة والثقة تبنى بالفعل السياسي لا بالبلاغات
نحن امام لحظة حاسمة. اما ان يتم الاعتراف بان ازمة الانتخابات هي ازمة نظام تمثيلي فقد مصداقيته وفتح نقاش شجاع حول اصلاح سياسي حقيقي. او الاستمرار في نفس المسار حيث تعاد نفس الطقوس وتعلن نفس الارقام ويتعمق نفس الشرخ بين الدولة والمجتمع
الديمقراطية المؤجلة ليست قدرا. لكنها نتيجة اختيارات. واي تأجيل اضافي سيكلف البلاد غاليا ليس فقط سياسيا بل اجتماعيا ايضا. لأن مجتمعا يفقد ثقته في السياسة يفتح الباب امام كل اشكال الاحتقان والانسحاب وربما الانفجار. والانتخابات التي تدار من خلف شاشات معطلة لا يمكن ان تكون جسرا نحو المستقبل بل مرآة لازمة الحاضر
هذا الملف ليس دعوة للعزوف ولا تبريرا له. بل محاولة لفهمه باعتباره عرضا سياسيا لمرض اسمه التحكم وغياب الثقة. ولا ديمقراطية ممكنة دون الاعتراف بهذا المرض ومعالجته من الجذور لا من الواجهات

