الاغتيال السياسي وذاكرة الدولة: حين يصبح الصمت سياسة

في كل مرة تحلّ فيها ذكرى اغتيال سياسي في المغرب، لا يعود الحدث باعتباره صفحة من الماضي فقط، بل كجرح لم يلتئم بعد في ذاكرة الدولة والمجتمع معًا. ويكتسي هذا السؤال اليوم راهنية خاصة، ونحن نستحضر الذكرى الخمسين لاغتيال المناضل الاتحادي عمر بنجلون، أحد أبرز الوجوه التي شكّلت الوعي السياسي الديمقراطي في المغرب الحديث.
فالاغتيال السياسي لم يكن يومًا مجرد جريمة جنائية تُطوى بمرور الزمن، بل كان فعلًا سياسيًا بامتياز، يستهدف الفكرة قبل الجسد، والمشروع قبل الشخص. واغتيال عمر بنجلون، كما اغتيال المهدي بنبركة من قبله، لم يكن حادثًا معزولًا في سياق مضطرب، بل تعبيرًا عن مرحلة اختير فيها منطق الإقصاء والعنف بدل الصراع الديمقراطي المفتوح.
لقد كانت أصوات من هذا الوزن مزعجة، لأنها طرحت أسئلة جوهرية حول السلطة، والديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، ومعنى الالتزام السياسي. ولهذا لم يكن استهدافها صدفة، بل نتيجة ميزان قوى لم يتحمّل وجود مشروع سياسي نقدي وجذري في الفضاء العام.
بعد خمسين سنة على اغتيال عمر بنجلون، لا يزال السؤال معلقًا: لماذا لم تُكشف الحقيقة كاملة؟ ولماذا ما زالت الدولة تتعامل مع هذا النوع من الملفات بحذر شديد، وكأن الذاكرة خطر يجب التحكم فيه؟ صحيح أن المغرب خاض تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة، وفتح نافذة على ماضي الانتهاكات، لكن هذه التجربة، رغم أهميتها الرمزية، ظلت محكومة بسقف سياسي جعل الحقيقة جزئية، والملفات الأكثر حساسية معلّقة بين ما قيل وما لم يُقل.
لا يمكن بناء مصالحة حقيقية دون مواجهة الماضي كما هو، لا كما نرغب في تذكره. فالدولة التي تطلب من المجتمع طي صفحة الاغتيالات السياسية، دون أن تفتح أرشيفها بالكامل، تطلب منه النسيان دون الفهم، والقبول دون معرفة. وهذا لا يبني ثقة، بل يؤجل انفجار الأسئلة المؤجلة.
في المغرب، يتم الاحتفاء بالذاكرة في الخطب والمناسبات، لكن يتم تقييدها في الوثائق. يُستدعى التاريخ كشعار، لكن يُمنع من أن يتحول إلى مساءلة سياسية وأخلاقية. وهنا تتحول الذكرى من لحظة تأمل جماعي إلى طقس فارغ، ويظل الاغتيال السياسي منطقة رمادية في الوعي الجماعي.
الدول التي تحترم نفسها لا تخشى الحقيقة، لأنها تدرك أن الاعتراف لا يهدد الاستقرار، بل يؤسسه على قواعد أكثر صلابة. أما الصمت، فليس حيادًا، بل مشاركة غير معلنة في استمرار الجرح.
لسنا أمام دعوة إلى الانتقام، ولا إلى إعادة فتح صراعات الماضي، بل أمام مطلب بسيط: الوضوح. أن يُسمّى الاغتيال السياسي باسمه، وأن تُفتح الملفات كاملة، وأن تُحدَّد المسؤوليات السياسية والتاريخية، ولو على المستوى الرمزي. لأن غياب الحقيقة لا يعني تجاوز الماضي، بل تركه يشتغل في العمق دون رقابة.
خمسون سنة بعد اغتيال عمر بنجلون، ما زال الدرس قائمًا: لا ديمقراطية بلا ذاكرة، ولا عدالة بلا حقيقة، ولا مستقبل آمن فوق أرضية من الصمت. وذاكرة الدولة، إن لم تُصالح مع نفسها، ستظل عبئًا على حاضرها ومستقبلها.
حمدون القراص

