آخر كلام

حين يصبح الألتراس فاعلًا مدنيًا: الشارك وامتداد الذاكرة الاحتجاجية للألتراس في المغرب

لم تعد وقفة فصيل الشارك، المشجع لفريق أولمبيك آسفي، المقررة ليوم 20 دجنبر، مجرد مبادرة تضامنية عابرة، بل خطوة ذات حمولة حقوقية وسياسية واضحة، تعيد إلى الواجهة سؤال دور الألتراس في الفضاء العام المغربي، خارج أسوار الملاعب.
من التشجيع إلى المطالبة بالحق
في السياق المغربي، لم تكن مجموعات الألتراس يومًا كيانات رياضية صرفة.
منذ سنوات، تحولت المدرجات إلى فضاء للتعبير عن الاحتجاج الاجتماعي، وعن غضبٍ مكبوت من التهميش، والبطالة، وغياب العدالة المجالية.
أغاني الألتراس، شعاراتهم، وحتى صمتهم أحيانًا، كانت مرآة لواقع أوسع من كرة القدم.
اليوم، يخرج الشارك إلى الشارع، لا ليطالب بلقب أو صفقة انتقال، بل ليضع إصبعه على جرح المدينة:
الحق في الحياة، الحق في السلامة، والحق في محاسبة المسؤولين.
الاحتجاج كفعل حقوقي
من منظور حقوقي، تندرج هذه الوقفة ضمن الحق الدستوري في الاحتجاج السلمي، وضمن منطق المساءلة الشعبية حين تفشل قنوات المحاسبة المؤسساتية.
ما وقع في آسفي لا يمكن اختزاله في “حادث طبيعي”، بل هو كارثة مركبة تفتح أسئلة محرجة حول:
الحق في بنية تحتية آمنة
الحق في الوقاية من المخاطر
الحق في الحقيقة وتحديد المسؤوليات
حين يتقدم فصيل شبابي بهذه المطالب، فهو لا “يسيّس” التشجيع بقدر ما يعيد السياسة إلى معناها الأصلي: الدفاع عن شروط العيش الكريم.
الألتراس والسياسة: علاقة غير معلنة
رغم إنكار الطابع السياسي، يؤكد تاريخ الألتراس في المغرب – كما في تجارب دولية – أن هذه المجموعات لعبت أدوارًا سياسية غير مباشرة ولكن فعّالة.
من احتجاجات الأسعار، إلى شعارات الكرامة والعدالة الاجتماعية، وصولًا إلى نقد الفساد وسوء التدبير، ظل الألتراس أحد آخر أشكال التنظيم الشبابي القادر على التعبئة السريعة والمستقلة.
الجديد اليوم هو انتقال هذا الصوت:
من التيفو إلى الوقفة
من الرمز إلى الفعل المباشر
من التعبير داخل المدرج إلى الحضور في المجال العام
ما الذي يخيف في وقفة الشارك؟
ما يربك السلطة والفاعلين التقليديين ليس الوقفة في حد ذاتها، بل من يقوم بها:
شباب غير مؤطر حزبيًا
تنظيم أفقي، بلا زعامة
خطاب بسيط لكنه نافذ
قدرة عالية على التعبئة والانضباط
إنها سياسة بلا حزب، واحتجاج بلا وصاية، وهو ما يجعلها عصية على الاحتواء أو التشويه السريع.
آسفي… حين يتكلم المهمَّشون
وقفة الشارك ليست حدثًا محليًا معزولًا، بل رسالة وطنية:
حين تُترك المدن الهامشية لمصيرها، وحين يُختزل الاستثمار في الملاعب دون حماية الأرواح، وحين يغيب المنتخبون وقت الأزمات، فإن الفاعلين الجدد سيملؤون الفراغ.
الألتراس هنا لا يدّعي تمثيل الجميع، لكنه يطرح سؤالًا لا مفر منه:
من يتكلم باسم الضحايا حين يصمت الجميع؟
خاتمة: ما بعد الوقفة
قد تمر الوقفة دون استجابة رسمية، وقد تُواجَه بالتجاهل أو التضييق، لكن الأهم أنها تُراكم ذاكرة احتجاجية جديدة، تؤكد أن الألتراس في المغرب لم يعد مجرد ظاهرة رياضية، بل فاعلًا مدنيًا يتشكل على هامش المؤسسات، ويعبّر من قلب المجتمع.
في زمن تآكل الوساطة، قد يكون الشارع – حين ينظمه الوعي – آخر فضاء للدفاع عن الحق.
 سفيان بولعروس
توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد