السلطة والناس

الغضب الشعبي بين التكرار وغياب البديل

تاريخ الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية في المغرب طويل ومثقل بالدلالات. فمنذ انتفاضة مارس 1965، مرورًا بمختلف موجات الغضب الشعبي، وصولًا إلى الحراكات والاحتجاجات الأحدث، يتكرر المشهد بأشكال مختلفة، لكن النتيجة تكاد تبقى واحدة. الشارع يتحرك، الغضب يعلو، ثم يعود الواقع السياسي إلى ما كان عليه، دون أن يحدث تحول ديمقراطي حقيقي يمس جوهر السلطة أو يعيد ترتيب ميزان القوى.

هذه التجارب المتراكمة كشفت أن الاحتجاج، مهما بلغ حجمه أو صدقه، لا يكفي وحده لإحداث التغيير. فالغضب الشعبي، حين لا يجد أداة سياسية وتنظيمية ديمقراطية متجذرة في الواقع الاجتماعي للطبقات الكادحة، يظل حبيس لحظته، ويتحول إلى موجة عابرة سرعان ما تنحسر. المشكلة لم تكن يومًا في غياب الاستعداد للاحتجاج، بل في غياب القدرة على تحويله إلى مشروع سياسي واضح المعالم.

القوى السياسية والنقابية والمدنية التي تُقدَّم بوصفها ديمقراطية أو تقدمية لم تنجح، إلى اليوم، في بناء ارتباط عضوي عميق مع القواعد الاجتماعية الأكثر تضررًا من الأزمة. هذا الانفصال جعلها عاجزة عن قيادة لحظات الغضب، وعاجزة عن تقديم أفق سياسي مقنع حين تفتح الشوارع أبوابها للاحتجاج.

في هذا السياق، لا يمكن فهم الحراكات الجديدة، ومنها تعبيرات الغضب التي حملها “جيل زد 212”، خارج هذا الفراغ السياسي. هو غضب حقيقي، نابع من واقع اجتماعي صعب، ومن شعور واسع بالإقصاء وانسداد الأفق، لكنه يظل، في غياب مشروع سياسي بديل، تعبيرًا عن الرفض أكثر مما هو قوة منظمة للتغيير.

إن الدعوات المتكررة لإعادة توجيه هذا الغضب نحو الانتخابات، دون معالجة شروطها السياسية والديمقراطية، تبدو محاولة للالتفاف على الأزمة أكثر من كونها استجابة لها. فالثقة المهزوزة في العملية الانتخابية ليست مسألة مزاجية، بل نتيجة تاريخ طويل من الإفساد وضعف المحاسبة، وهو ما جعل قطاعات واسعة من المجتمع تنظر إلى الانتخابات باعتبارها جزءًا من المشكلة لا من الحل.

الأزمة التي يعيشها المغرب اليوم ليست أزمة احتجاجات، بل أزمة مشروع سياسي ديمقراطي. أزمة نظام يعيد إنتاج نفسه بعد كل حراك، وأزمة معارضة لم تنجح في تجديد أدواتها وخطابها وتجذرها الاجتماعي. وفي هذا الفراغ، تستمر الاحتجاجات في الظهور والاختفاء، بينما يظل التغيير مؤجلًا.

إن تجاوز هذا الوضع يقتضي أكثر من إدارة الغضب أو احتوائه. يقتضي إعادة بناء أفق ديمقراطي حقيقي، يقوم على تنظيم سياسي واجتماعي واعٍ، مرتبط بمصالح الطبقات الشعبية، وقادر على تحويل السخط إلى قوة تغيير فعلية. دون ذلك، سيبقى التاريخ يعيد نفسه، وستظل الانتفاضات تتكرر، فيما تبقى الحالة السياسية على حالها.

حمدون القراص

توقيع
5 1 تصويت
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد