المجتمع في المفترق

الضمان الاجتماعي بالمغرب: نادي المحظوظين و”محرقة” المساكين

كيف تحوّل صندوق التغطية إلى جسر لنقل المال من جيوب الأجراء إلى مصحات القطاع الخاص؟

صندوق الضمان الاجتماعي بالمغرب: الصندوق الذي يضمن حياة ‘المحظوظين’ ويضمن ‘الضغط والسكر’ للمساكين”

“الضمان” في التسمية.. و”الضياع” في الواقع.

 

في المغرب، كلمة “الضمان الاجتماعي” توحي للوهلة الأولى بالأمان، لكن بالنسبة لـ “المواطن المسكين”، فهي مجرد رحلة يومية في دهاليز البيروقراطية. نحن أمام مؤسسة تجمع المليارات من عرق الأجراء والمشغلين، لتقدم في المقابل “فتاتاً” من التعويضات التي لا تكفي حتى لسداد ثمن “التحاليل” التي تُطلب منه مراراً وتكراراً. إنه الضمان الذي يضمن لك شيئاً واحداً فقط: أن تظل واقفاً في الطابور حتى تفقد الأمل في الشفاء.

فضيحة “السيستيم طايح”: حين يختفي “الأمان الرقمي”

من أكبر المضحكات المبكيات هي الاختراقات والفضائح التي مست الأنظمة المعلوماتية للصندوق الضمان الاجتماعي . ففي الوقت الذي يتبجح فيه الصندوق بالتحول الرقمي، نجد “الموقع الإلكتروني” أضعف من أن يصمد أمام أبسط الهجمات، أو يغرق في أعطال تقنية “مزمنة”.

سخرية الاختراق: ليس الاختراق الخارجي هو المشكلة الوحيدة، بل “الاختراق البنيوي”؛ حيث تضيع ملفات المواطنين في “سحابة” الإهمال. تخيل أن بياناتك الشخصية وصحتك معلقة بـ “سيرفر” يقرر التوقف عن العمل في كل مرة يحتاج فيها المواطن المسكين لتعويض عاجل عن عملية جراحية. إنه الفساد المتجدر و القرصنة الحقيقية لجيوب المواطنين تحت مسمى “تحديث النظام”.

“النهب المشرعن” والتعويضات الهزيلة

بينما تتحدث التقارير عن “ثقوب سوداء” وفضائح مالية في تدبير صناديق التقاعد والضمان الاجتماعي، يجد المواطن المسكين نفسه أمام “سقف تعويضات” مضحك.

فضيحة الأرقام: كيف يعقل أن يساهم الأجير طيلة حياته بمبالغ محترمة، وعندما يمرض يجد نفسه “خارج التغطية” لأن الدواء الفلاني “غير مسترجع” أو لأن التعرفة المرجعية تعود لزمن “الأبيض والأسود”؟

السرقة المقنعة: السرقة ليست فقط في اختلاس الأموال، بل في “سرقة الوقت، الجهد و الصحة”. عندما يضطر مواطن بسيط لقطع مسافات طويلة من أجل “ورقة” أو لتصحيح خطأ ارتكبه الموظف في النظام، فهذه هي قمة النهب لكرامة الإنسان.

المواطن المسكين.. “الرجل الخفي” في معادلة صندوق الضمان الاجتماعي .

المفارقة الساخرة هي أن هذا الصندوق الذي وُجد لحماية “المسحوقين”، أصبح ناديًا مغلقًا يستفيد منه كبار الأطباء والمصحات الخاصة عبر “الفوترة المنفوخة”، بينما يظل المواطن “المسكين” مجرد وسيط لنقل الأموال من جيبه (عبر الاقتطاعات) إلى جيوب الآخرين.

المصحات الخاصة: في ظل ضعف الرقابة، تحول صندوق الضمان الاجتماعي إلى “شيك على البياض” لبعض المصحات التي تمتص دماء المريض و الصندوق معا، بينما يكتفي الصندوق بدور “المتفرج” أو “الشريك الصامت”.

رسالة مشفرة من “سيرفر” معطل.

لو كان لموقع صندوق الضمان الاجتماعي لسان، لقال للمواطنين بلا تردد: “لا تحاولوا الدخول، نحن هنا لنجمع المال لا لنوزعه”. الفضيحة الكبرى ليست في شبهات تبديد الأموال فحسب، بل في “قتل الأمل” نفسه؛ أن يدفع المواطن ثمن حمايته لعقود، ثم يجد نفسه وحيداً في مواجهة المرض والشيخوخة، فهذا هو الاختراق الحقيقي لعقد الثقة بين الدولة والمواطن.

في بلد يُفترض أن يكون فيه “صندوق الضمان الاجتماعي” مظلّة أمان للفئات المقهورة والمأجورين، تحوّل هذا الاسم اللامع إلى مجرّد ديكور إداري يغطّي واقعاً من الضياع الممنهج. على الورق، نحن أمام صندوق يُقدَّم كحامٍ من تقلبات المرض والشيخوخة، لكن في يوميات “المواطن المسكين” لا نجد سوى طوابير تمتد بامتداد اليأس، وإجراءات تُرهق الأعصاب قبل الجسد، وتعويضات هزيلة لا تكفي حتى لفاتورة تحاليل طبية بسيطة. هكذا يصبح “الضمان” مجرد شعار معلّق على الجدران، بينما يتحمل الأجير كلفة المرض من جيبه، ويدفع ثمن الإهمال من صحته وكرامته.

إن إصلاح منظومة الضمان الاجتماعي لا يحتاج إلى خبراء تكنولوجيا من “السيليكون فالي Silicon Valley”، بقدر ما يحتاج إلى “ضمير اجتماعي” يشعر بوجع ذلك العامل الذي أفنى عمره في البناء والشقاء، ليجد في النهاية “موقعاً معطلاً” و”تعويضاً مهيناً”. إلى إدارة الضمان الاجتماعي: ارفعوا جدران الحماية الرقمية لبياناتنا، لكن قبل ذلك، ارفعوا جدران الظلم عن تعويضاتنا!

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد