تقرير الغارديان يضع حرية الاحتجاج في المغرب تحت المجهر

تقرير صحيفة الغارديان البريطانية حول ما وصفته منظمات حقوقية بـ«الاعتقالات التعسفية» و«الاعتداءات المروّعة» التي طالت مئات المتظاهرين من جيل الشباب بالمغرب، لا يمكن قراءته فقط كخبر عابر في الصحافة الدولية، بل كمؤشر مقلق على وضعية حرية الاحتجاج والتعبير في البلاد، في لحظة سياسية واجتماعية حساسة.
فالاحتجاجات التي اندلعت أواخر شتنبر وبداية أكتوبر، والتي تُعد الأوسع منذ حراك 2011، لم تنطلق من فراغ، بل جاءت في سياق اجتماعي متأزم، عنوانه تراجع تمويل قطاعي الصحة والتعليم، واتساع الفوارق الاجتماعية، وتآكل الثقة في السياسات العمومية. ومع ذلك، جرى التعامل معها، بحسب ما نقلته الصحيفة عن منظمات حقوقية، بمنطق أمني صرف، حوّل مطالب اجتماعية مشروعة إلى ملفات جنائية ثقيلة.
وفق التقرير، فإن حملة الاعتقالات التي أعقبت الاحتجاجات طالت آلاف الشبان، وترافقت مع مزاعم خطيرة حول تعرض محتجزين للضرب، واحتجازهم في ظروف مهينة، دون احترام الحد الأدنى من الضمانات القانونية. كما وثّقت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، بحسب الغارديان، انتهاكات طالت نساء مشاركات في الاحتجاجات، شملت التحرش والإهانات، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى حماية الدولة للحق في الاحتجاج السلمي، خاصة بالنسبة للفئات الأكثر هشاشة.
الأخطر في ما يورده التقرير هو حجم المتابعات القضائية والأحكام الصادرة، إذ تشير منظمات دولية إلى أن أكثر من 2400 شخص يواجهون المتابعة، وأن العشرات صدرت في حقهم أحكام قاسية، بعضها وصل إلى 15 سنة سجناً نافذاً. أرقام تعكس، في نظر حقوقيين، انتقالاً من منطق ضبط النظام العام إلى منطق الردع، ومن تدبير الاحتجاج إلى تجريم الفعل الاحتجاجي ذاته.
وفي الوقت الذي تشير فيه السلطات إلى مقتل ثلاثة متظاهرين في القليعة بعد اقتحام مخفر للشرطة، ترى منظمات حقوقية أن غياب تحقيقات مستقلة وشفافة حول هذه الأحداث يضعف الرواية الرسمية، ويعمّق الشكوك حول مدى احترام مبدأ التناسب في استعمال القوة.
وتنقل الغارديان عن منظمة هيومن رايتس ووتش توصيفها لما جرى بـ«حملة قمع لإيصال رسالة بعدم التسامح مع أي شكل من أشكال المعارضة». توصيف يكتسب ثقله ليس فقط من خطورته، بل من تزامنه مع استعداد المغرب لاستضافة تظاهرات رياضية كبرى، ما يعيد طرح سؤال قديم جديد: هل يتم التضييق على حرية الاحتجاج من أجل الحفاظ على صورة الاستقرار أمام الخارج؟
ورغم إعلان الحكومة التزامها بإصلاحات اجتماعية وزيادة الإنفاق على الصحة والتعليم، يرى متابعون أن هذه الوعود تفقد معناها حين يُقابل الاحتجاج السلمي بالعنف والمتابعة القضائية، وحين يصبح الخوف من الاعتقال والتعذيب، كما تشير منظمات حقوقية، عائقاً أمام عودة الشباب إلى الشارع.
في المقابل، تؤكد السلطات المغربية احترامها لشروط المحاكمة العادلة، وتعتبر أن جميع الإجراءات تمت وفق القانون. غير أن اتساع دائرة المتابعات، وثقل الأحكام، واستمرار مزاعم التعذيب، تجعل من الضروري فتح نقاش وطني صريح حول حدود استعمال القوة، وحول معنى حرية الاحتجاج في دولة تقول إنها اختارت مساراً ديمقراطياً.
فحرية الاحتجاج ليست امتيازاً تمنحه الدولة متى شاءت وتسحبه متى شاءت، بل حق دستوري، وميزان حقيقي لمدى احترام الحقوق والحريات. وأي مساس به، تحت أي ذريعة، لا يهدد المحتجين فقط، بل يهدد الثقة في المؤسسات، ويعمّق القطيعة بين الدولة وشبابها.

