إقتصاد الناس

حين يصبح حساب الجيب أهم من كل الخطب والمنصّات في المغرب،

الاقتصاد الحقيقي لا يُقاس بالناتج الداخلي الخام، ولا بالتقارير الدولية، ولا بنجاح المؤتمرات الاستثمارية… بل يُقاس بشيء واحد بسيط: كيف يعيش الناس؟ هذه الجملة تبدو ساذجة، لكنها تختصر الحقيقة كلها. في الأسواق، يمكنك قراءة المجتمع مثل كتاب مفتوح. الأم التي كانت تشتري ثلاث كيلوغرامات من الفواكه أصبحت تكتفي بواحد. الرجل الذي كان يشتري اللحم كل أسبوع أصبح يشتريه مرة في الشهر. الطالب الذي كان يتناول وجبتين ساخنتين أصبح يعتمد على الخبز والجبن. والأسرة التي كانت تخطط لعطلة صغيرة… تخطط اليوم فقط لتمرير الشهر دون ديون إضافية. هذا ليس اقتصاداً… هذا صراع يومي مع الحياة. الطبقة المتوسطة، التي كانت لسنوات عمود استقرار المجتمع، تتعرض اليوم لتآكل غير مسبوق. ارتفاع أسعار الوقود، الكراء، الفواتير، الضرائب، والمواد الأساسية، جعل الأسرة تعيش في “حالة نجاة” بدل “حالة عيش”. والأخطر من الغلاء ليس الغلاء نفسه… بل فقدان الإحساس بالسيطرة. عندما يشعر المواطن أن حياته لم تعد في يده، يتولد الخوف، ثم الغضب، ثم اللامبالاة… وهذه الثلاثة أخطر من أي أزمة اقتصادية. في المقاهي، يعرف الناس الحقيقة أكثر من أي خبير. يقول أحدهم: “المشكل ماشي فالأزمة… المشكل فالصمت.” الصمت الذي يرافق الأزمات يصنع شعوراً بأن المواطن وحيد، وبأن القرارات تُتخذ بعيداً عن همومه اليومية. اقتصاد الناس هو اقتصاد التفاصيل الصغيرة: ثمن الخبز، سعر الكيلوغرام من البطاطس، تكلفة النقل للعمل، فاتورة الماء التي ارتفعت دون تفسير، وطبقة مسحوقة تحمل بلدًا كاملاً دون أن يستمع إليها أحد. الشباب هم الحلقة الأضعف في هذه الدراما الاقتصادية. جيل كامل يطمح إلى الاستقلال البسيط… سكن صغير، عمل مستقر، بداية حياة… لكن يجد أمامه جداراً من الأسعار المرتفعة والفرص المحدودة. يصل الشاب إلى 30 سنة وهو ما يزال يعيش في غرفة عائلية، ليس لأنّه غير قادر… بل لأن الاقتصاد نفسه لا يمنحه المدخل. وتحت هذا الضغط، ترتفع رياح الهجرة. الهجرة ليست رغبة في مغادرة الوطن… بل هروب من اقتصاد لا يرحم. ومع كل هذا، توجد حقيقة يجب الاعتراف بها: الاقتصاد لا يصلح بالوعود، ولا بالشعارات، ولا بالخطابات، بل يصلح بسياسات تلمس الجيب مباشرة: رفع الأجور، ضبط الأسعار، كسر الاحتكار، توسيع دعم الطبقة المتوسطة، وتحويل الاقتصاد من “اقتصاد مؤشرات” إلى “اقتصاد بشر”. اقتصاد الناس هو الحقيقة التي تحاول الخطابات تجميلها، لكنها تعود دائماً إلى نقطة واحدة: إذا لم يتحسن جيب المواطن… فلن يتحسن شيء.

GEN212

صوت الجيل الصاعد، وكاتب رأي متخصص في تحليل قضايا الشارع المغربي من زاوية الشباب. نؤمن بأن الإعلام الحقيقي يبدأ من المواطن. مهمتنا هي كسر حاجز الصمت، نقل الحقائق الصادمة حول الفساد، والتركيز على العدالة الاجتماعية والفرص المهدرة لجيلنا. في موقع "الشعب الإخباري"، لا ننقل الخبر فحسب، بل نصنعه من قلب الواقع.
زر الذهاب إلى الأعلى