حين صمت الصوت وارتفع منسوب الخوف

في مساء كانت فيه السماء تمطر بغزارة فوق إقليم آسفي، لم تكن المياه وحدها هي التي غمرت الشوارع والمنازل، بل غمر معها شعور عميق بالوحدة لدى كثير من المواطنين. ففي لحظة كان فيها الخوف سيد الموقف، وكانت الأرواح مهددة، لم يجد الناس من يخاطبهم، ولا من يشرح لهم ما يجري، ولا من يحذرهم أو يوجههم. كان الصمت هو الصوت الأعلى.
الفيضانات التي خلّفت قتلى وجرحى وخسائر مادية كبيرة لم تكن مجرد خبر عابر، بل كانت لحظة اختبار حقيقية لدور الإعلام العمومي. اختبار لم يمر بسلام. فبينما كانت السيول تجرف السيارات وتقتحم البيوت، ظل البث العادي مستمرًا، دون نشرات استثنائية، ودون حضور ميداني عاجل، ودون أي تواصل مباشر مع الساكنة التي كانت تعيش لحظات ارتباك وخوف.
الإعلام العمومي وُجد أساسًا ليكون إلى جانب المواطن، لا ليظهر فقط في المناسبات المبرمجة والأيام العادية. في الأزمات، تصبح المعلومة ضرورة إنسانية قبل أن تكون مادة صحفية. كلمة واحدة في الوقت المناسب قد تنقذ حياة، وتنبيه بسيط قد يمنع مأساة. لذلك، فإن الغياب في مثل هذه اللحظات لا يمكن اعتباره مجرد تأخر تقني أو سوء تنسيق، بل هو إخفاق في أداء وظيفة أساسية.
المؤلم أن منصات التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام المستقلة هي التي تحمّلت عبء نقل الصور الأولى والتحذيرات، رغم محدودية إمكانياتها، بينما بقي الإعلام العمومي متأخرًا عن الحدث. هذا الواقع يطرح تساؤلات مشروعة حول جاهزية هذه المؤسسات، وحول ما إذا كانت تملك فعلاً خططًا للتعامل مع الكوارث، أو أن حضورها يظل مرتبطًا بالروتين فقط.
لا أحد يطالب بالمثالية، ولا أحد ينتظر معجزات. المطلوب فقط هو أن يشعر المواطن بأن هناك من يواكبه، من يخاطبه، من يشاركه القلق، ويوفر له المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب. فالإعلام العمومي ليس ترفًا، ولا خدمة ثانوية، بل جزء من منظومة الحماية المجتمعية.
الترحم على ضحايا فيضانات آسفي واجب إنساني، لكن الأهم من ذلك هو ألا تمر هذه اللحظة دون مراجعة. مراجعة صادقة لأدوار الإعلام العمومي، ولمدى قربه من هموم الناس، خاصة في اللحظات التي تكون فيها المعلومة مسألة حياة أو موت. لأن الصمت في مثل هذه الظروف لا يكون حيادًا، بل يكون تخليًا.
حمدون القراص