ماشي بوحدك

الراب بين حرية التعبير وسلطة التأويل الجنائي

أعاد اعتقال ومتابعة مغني الراب جواد أسرداي، المعروف بلقب “بوز فلو”، إلى الواجهة سؤالًا قديمًا يتجدد باستمرار، يتعلق بحدود حرية التعبير الفني، وبالطريقة التي نتعامل بها مع أشكال التعبير الشبابي غير المألوفة داخل الفضاء العام. فالقضية لم تعد مرتبطة بشخص الفنان فقط، بقدر ما أصبحت مرتبطة بنظرتنا إلى الفن، وإلى الاختلاف، وإلى حق الشباب في التعبير بلغتهم الخاصة.

فن الراب، بطبيعته، ليس فنًا ناعمًا ولا مطمئنًا. هو صوت خرج من الهامش، وتكوّن في سياقات اجتماعية قاسية، واستعمل لغة مباشرة وصادمة أحيانًا، ليحكي عن الغضب، والاحتجاج، والإحباط، والتناقضات اليومية. التعامل مع هذا الفن بقراءة حرفية، أو إخضاعه لمنطق أخلاقي أو زجري ضيق، يعني في العمق تجاهل سياقه ووظيفته، وتحويل التعبير الرمزي إلى فعل إجرامي.

المثير للقلق في هذه القضية ليس فقط المتابعة القضائية، بل المنهج الذي تُقرأ به الأعمال الفنية. حين تتحول كلمات أغنية إلى أدلة جنائية، وحين يُفصل النص عن سياقه الفني، يصبح السؤال الحقوقي ملحًا: هل نحاكم أفعالًا حقيقية أم نحاكم أفكارًا وتعبيرات رمزية؟ وهل من دور القضاء أن يحسم في الذوق الفني أو في لغة الشباب؟

الخطورة الحقيقية تكمن في الأثر الذي تتركه مثل هذه المتابعات على جيل كامل. فالشباب الذين يجدون في الراب وسيلة للتنفيس والتعبير، قد يفهمون الرسالة بشكل بسيط وواضح: التعبير الحر قد يقود إلى المتابعة، والكلمة قد تصبح سببًا في العقاب. بهذا المعنى، لا يحد التجريم من التعبير، بل يدفعه إلى السرية، ويعمّق الإحساس بالقطيعة بين الشباب والمؤسسات.

من الناحية الحقوقية، تبدو المرجعيات واضحة. فحرية الرأي والتعبير مكفولة في المواثيق الدولية، كما أن الدستور المغربي ينص صراحة على حرية الفكر والإبداع والنشر بكل أشكاله. غير أن الإشكال يظهر حين يُستدعى القانون الجنائي لمعالجة قضايا يفترض أن تُناقش داخل فضاء الثقافة والنقد والحوار، لا داخل قاعات المحاكم.

ثم إن متابعة أعمال فنية قديمة، بعضها أُنتج في فترات سابقة من حياة الفنان، تطرح تساؤلات إضافية حول مبدأ التناسب، وحول الهدف من الزج بالقضاء الجنائي في مجال سريع التحول بطبيعته، مثل المجال الفني. فالقانون وُضع لحماية المجتمع من الأذى الحقيقي، لا لمعاقبة الخيال أو محاصرة التعبير.

الدفاع عن حرية الراب لا يعني تبني كل مضامينه، ولا يعني تبرير كل ما يُقال فيه، بل يعني الدفاع عن حق الاختلاف، وعن حق الصدمة، وعن حق النقاش المفتوح. فالمجتمعات التي تخاف من الأصوات المزعجة، وتلجأ إلى إسكاتها بدل فهمها، لا تبني استقرارًا حقيقيًا، بل تؤجل انفجار الأسئلة.

إن حماية الإبداع الفني، خاصة الإبداع الشبابي، تمر عبر خلق إطار قانوني واضح، يميّز بين التعبير الرمزي والفعل الجرمي، ويمنع العقوبات السالبة للحرية في قضايا الرأي والفن. لأن الفن، مهما كان قاسيًا أو صادمًا، يظل مساحة للتعبير، لا ساحة للعقاب.

في النهاية، يبقى جوهر النقاش بسيطًا: هل نريد مجتمعًا يسمع أصوات شبابه، حتى حين تكون هذه الأصوات مزعجة أو غير مألوفة، أم نفضل مجتمعًا يختار الصمت ويعاقب الاختلاف؟ الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد فعليًا معنى الحرية التي نعلن الالتزام بها.

 حمدون القراص

توقيع
0 0 الأصوات
تقييم المقالة يهمنا
0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات
زر الذهاب إلى الأعلى
مباشر تبليغ
انضم للديسكورد