لماذا الملكية البرلمانية ضرورة تلوح في الأفق؟
لم تعد النقاشات حول شكل النظام السياسي في المغرب ترفا فكريا أو مطالب نخب معزولة. بل باتت سؤالا مركزيا يرتبط بمستقبل الدولة ووحدتها الترابية وشرعيتها الدولية وقدرتها على مواجهة التحولات العميقة داخليا وخارجيا. إن الملكية البرلمانية، كما يطرحها العديد من الفاعلين والباحثين، لم تعد “مشروعا نظريا”، بل مسارا تفرضه الوقائع والالتزامات والضغوط المتراكمة. تتعدد الأسباب التي تجعل هذا التحول أقرب إلى “ضرورة تاريخية” منه إلى مجرد “اختيار سياسي”، ويمكن تلخيصها في خمسة محاور أساسية. 1. الحكم الذاتي في الصحراء… أجندة سيادية مؤجلة حين قدم المغرب سنة 2007 مقترح الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية، وضع نفسه أمام التزام سياسي ودستوري كبير، وإن كان مؤجلا. فالمقترح الذي اعتبره مجلس الأمن “الأساس الجدي والوحيد” للحل، يتضمن: مؤسسات تنفيذية وتشريعية منتخبة سلطة تدبير محلية واسعة اختصاصات تشريعية حقيقية جهازا قضائيا مستقلا داخل الجهة شرطة محلية صلاحيات مالية وإدارية موسعة ضرورة تعديل الدستور المغربي لملاءمته مع هذا النموذج وهذه النقطة الأخيرة هي الأخطر. فلا يمكن منطقيا ولا دستوريا أن تعيش الأقاليم الجنوبية في إطار حكم ذاتي متقدم يمنحها مؤسسات قوية، بينما تبقى باقي جهات المملكة خاضعة لمركزية تقرر عنها من الرباط. هذا الوضع يخلق ازدواجية دستورية، وازدواجية السيادة، ويجعل أسئلة التوازن السياسي تستفحل. لذلك، فإن الحكم الذاتي كما قدم، ليس فقط مشروعا جهويا، بل وعدا سياديا مستقبليا بإعادة ترتيب النظام السياسي المغربي نفسه. والتعديل الدستوري العميق، الذي سيُطلب عاجلا أو آجلا، سيقود بالضرورة إلى ملكية برلمانية ذات فصل واضح للسلط وشرعية مؤسساتية منتخبة. 2. سبتة ومليلية والجزر المحتلة… الشرعية تبدأ من الداخل ملف الثغور المحتلة ليس مجرد ملف حدودي، بل اختبار سياسي للدولة المغربية في قدرتها على إقناع ساكنة تلك المناطق بجدوى العودة للوطن الأم. فالمقيم في سبتة ومليلية يعيش اليوم تحت نظام: ملكية برلمانية فعلية حكومة محلية منتخبة قضاء مستقل خدمات اجتماعية بمستوى أوروبي اقتصاد شفاف محاسبة سياسية مستمرة فصل صارم بين السلطة والمال كيف يمكن إقناع مواطن يعيش في إطار هذه المؤسسات بأن ينتقل إلى نموذج لا يزال يعاني من: مركزية قوية بيروقراطية غياب محاسبة سياسية حقيقية تبعية القضاء تداخل السلطة بالمال تفاوت جهوي كبير ضعف حكامة الموارد وهذا لا يخص فقط سبتة ومليلية، بل يمتد أيضا إلى: جزيرة ليلى جزر الحسيمة جزيرة الخزيرات الجزر القريبة من السواحل الشمالية استرجاع هذه المناطق ليس فقط عملية دبلوماسية، بل عملية مؤسساتية: لا يمكن للدولة أن تطالب بها وهي لا تقدم نموذجا مؤسساتيا يحظى بثقة مواطن يعيش اليوم في إطار ملكية برلمانية أوروبية. إن شرعية استرجاع الأرض تبدأ من شرعية إصلاح الداخل. وستكون الملكية البرلمانية إحدى الأدوات القوية لإقناع أوروبا نفسها بأن المغرب يسير نحو نموذج متقدم وشفاف ومستقر، قريب من المعايير الأوروبية. 3. مستقبل النظام السياسي المغربي… الانتقال الهادئ لم يعد خياراً المغرب يعرف منذ عقدين بناء تدريجيا لدولة حديثة. لكن هذا البناء يصطدم اليوم بحدود النموذج القائم: الهيمنة التنفيذية تراجع الثقة في المؤسسات ضعف أداء الحكومات امتداد نفوذ الإدارة على حساب السياسة مركزية مالية وقانونية تخنق المبادرة الجهوية محدودية الرقابة البرلمانية ضعف الحياة الحزبية غموض حدود السلطة بين الفاعلين هذه العوامل تطرح سؤالاً ملحاً: هل يمكن بناء نموذج اقتصادي واجتماعي قوي بدون إصلاح سياسي جذري؟ الجواب الواقعي: صعب جداً. فالتحولات الاقتصادية الكبرى التي يطمح لها المغرب في أفق 2035 و2050 تحتاج إلى: فصل حقيقي للسلط محاسبة سياسية فعالة حكومات قوية أمام الدولة العميقة برلمان منتخب بسلطات تشريعية حقيقية استقلال النيابة العامة شفافية أكبر في القرار الاقتصادي وهذه الخصائص كلها لا تكتمل إلا داخل ملكية برلمانية تعيد التوازن بين الفاعلين السياسيين وتمنح المؤسسات المنتخبة دورها الحقيقي. 4. الضغط المجتمعي… جيل جديد خارج حسابات النظام القديم المغرب يعيش اليوم موجة اجتماعية غير مسبوقة: جيل رقمي، واع، ناقد شبكات اجتماعية تفضح الفساد في لحظته وعي سياسي مباشر رفض للتراتبية السلطوية القديمة مطلب قوي للعدالة الاجتماعية رغبة في مؤسسات شفافة تضخم التوقعات الاقتصادية إحساس جماعي بأن النموذج الحالي بلغ مداه جيل اليوم لا يطلب إسقاط الدولة، بل يريد دولة حديثة، عادلة، مؤسساتية. ويريد ملكية معززة، لا ملكية “متورطة” في التفاصيل اليومية. الملكية البرلمانية ليست تهديدا للملكية، بل تحريرا لها من مسؤوليات يومية لا تناسب رمزيتها التاريخية. 5. الضغط الجغرافي الإستراتيجي… المغرب بين أوروبا وإفريقيا منطقة شمال إفريقيا تعيش اليوم: سباق تسلح صراع نفوذ تنافس إقليمي تحولات جيواقتصادية تحالفات جديدة المغرب يقف بين عالمين: شماله: دول ملكية برلمانية ديمقراطية قوية (إسبانيا، بلجيكا، هولندا، بريطانيا). جنوبه: جمهوريات سلطوية، منهارة اقتصادياً، تتكرر فيها الانقلابات. إذا أراد المغرب أن يرسخ شراكته العميقة مع أوروبا، وأن يكون بوابة اقتصادية أمنية نحو القارة الإفريقية، فإنه يحتاج: مؤسسات ديمقراطية قوية شفافية استقرار سياسي مبني على قواعد واضحة اقتصاد تنافسي قضاء مستقل يحمي الاستثمار فصل بين السياسة والأعمال كل هذه العناصر يتطلبها نموذج الملكية البرلمانية. خلاصة: لماذا الملكية البرلمانية؟ لأن المغرب يدخل مرحلة جديدة من تاريخه، حيث تتقاطع أربعة مسارات:
1) التزامات دولية وسيادية (الحكم الذاتي)
2) ملفات ترابية حساسة (سبتة، مليلية، الجزر المحتلة)
3) تحول داخلي سياسيأقتصادي لا يمكن إيقافه
4) ضغط مجتمعي وجيواستراتيجي يجبر الدولة على التحديث.
الملكية البرلمانية ليست نهاية الملكية. بل هي ضمان استمرارها. هي ليست صراعاً مع الملك، بل تحريره من عبء التفاصيل التنفيذية. هي ليست قطيعة، بل تطوير طبيعي لمسار بدأ منذ دستور 2011. هي ببساطة: خطوة لا مفر منها لبناء مغرب قوي، موحد، ديمقراطي، قادر على مواجهة القرن الجديد.