بدأت ملامح التحول في النموذج الجهوي الجديد بالمغرب تتجلى منذ أواخر سنة 2024، حين وجه جلالة الملك نداء واضحا نحو ترسيخ مبادئ الديمقراطية التشاركية وجعل المواطن في قلب القرار المحلي. وفي دجنبر 2024، انعقد اللقاء الجهوي التشاوري بأكادير تحضيرا للمناظرة الوطنية حول الجهوية المتقدمة، وهو لقاء اعتبر نقطة التحول الفعلية التي انتقل فيها الخطاب من التنظير إلى التفعيل، إذ تم التأكيد للمرة الأولى على أن المواطن ليس مفعولا به في معادلة التنمية، بل فاعل وشريك أساسي في صياغة رؤيتها. ومع مطلع سنة 2025، توالت اللقاأت الجهوية في الدار البيضاء؛سطات والقنيطرة وغيرها، حيث أصبح المجتمع المدني والجمعيات المحلية والأفراد جزأ من نقاشات واسعة حول قضايا الشغل والصحة والتعليم. كان ذلك مؤشرا على أن الدولة تتبنى فعلا مقاربة جديدة تعيد الاعتبار للقاعدة، وتنقل عملية صناعة القرار من المكاتب المغلقة إلى الساحات العمومية وقاعات النقاش المحلي. بهذا الانتقال الميداني بدأت مرحلة جديدة في علاقة الدولة بالمواطن. فالنموذج السابق الذي ساد لسنوات طويلة كان يقوم على منطق التوجيهات من الأعلى إلى الأسفل، حيث تصدر القرارات مركزيا، وتنفذ جهويا دون إشراك فعلي للسكان المحليين في تحديد أولوياتهم. أما اليوم، فإن التجربة الجديدة تتجه نحو منطق أفقي تشاوري يقوم على الإصغاء وتبادل الرأي، لا على الإملاء. ومن هذا المنطلق صار الحوار هو القاعدة، والمشاركة هي الأداة، والمساءلة هي الهدف. فكل جهة أصبحت مطالبة بفتح أبوابها أمام المواطنين، وكل إقليم مدعو لأن يجعل من المجتمع المدني شريكا لا متفرجا. هذا التحول لم يأت من فراغ، بل من قناعة بأن التنمية الحقيقية لا تبنى بالأوامر، بل بالمشاركة، وأن الثقة لا تمنح إلا حين يشرك المواطن في القرار الذي يمسه. ومن هنا تبرز فكرة (تقديس المواطن) التي أصبحت محور هذا النموذج الجديد. فالمقصود بتقديس المواطن ليس تمجيده في الخطابات، بل تمكينه فعليا من أدوات التأثير في الواقع. المواطن المقدس في هذا السياق هو الذي تحترم كرامته السياسية، ويستمع إلى رأيه، ويشرك في التخطيط لمستقبله، لا من يستدعى فقط للتصفيق لقرارات وضعت سلفا. تقديس المواطن يعني أن المواطن لم يعد رقما في إحصاء أو متلقيا لسياسات جاهزة، بل صار شريكا في صنعها، وفي مراقبتها، وفي تقييم نتائجها. إن المبادرة الجهوية الجديدة، في جوهرها، تقوم على هذا المبدأ العميق: أن المواطن هو الأصل، وأن التنمية تبدأ من حاجاته اليومية وتطلعاته الواقعية، لا من الأوراق الإدارية. وحين تفتح قاعات الحوار للمجتمع المدني، وتطرح فيها مواضيع الشغل والصحة والتعليم، فإن ذلك لا يمثل مجرد خطوة تقنية، بل هو إعلان سياسي ضمني بأن زمن الإملاء انتهى، وأن زمن الشراكة بدأ. في خضم هذا التحول، يبرز سؤال جوهري: ما موقع حركة (جيل زاد) من هذا الباب المفتوح للحوار؟ فهذه الحركة التي ولدت من رحم الاحتجاجات الرقمية والاجتماعية، وجدت نفسها فجأة أمام دعوة رسمية للجلوس على طاولة النقاش مع السلطة التي طالما انتقدتها. فهل تراها فرصة حقيقية لتصحيح المسار، أم مجرد واجهة شكلية لا تلبث أن تغلق مع أول خلاف؟ إن حركة جيل زاد، بحكم حضورها الشعبي وقدرتها على التعبئة، يمكن أن تكون طرفا مؤثرا في هذا الحوار إذا أحسنت استثماره. فبدلا من الاكتفاء بالمواقف الرمزية أو الخطابات الغاضبة، يمكنها أن تترجم شعاراتها إلى مطالب تقنية قابلة للتطبيق، تقدم على شكل مقترحات عملية حول قضايا الشغل والصحة والتعليم، مدعومة بأرقام ومؤشرات زمنية. هذا التحول من الاحتجاج إلى الاقتراح سيمنحها شرعية جديدة، ويجعلها فاعلا مؤسسيا لا مجرد صوت في الشارع. لكن النجاح في ذلك يمرعبر وعي استراتيجي دقيق. فالحركة مطالبة بأن تشارك في الحوارات بوفود مؤهلة، قادرة على التفاوض بلغة الحلول لا بلغة الشعارات، وأن تطالب بآليات متابعة واضحة لأي اتفاق يتم التوصل إليه. كما عليها أن تبقي على قدر من الحذر المشروع، حتى لا تستعمل مشاركتها كغطاء شكلي لإظهار الانفتاح دون نتائج حقيقية. التوازن بين النقد والمشاركة هو مفتاح تأثيرها المستقبلي. بهذه المقاربة يمكن القول إن «تقديس المواطن» لا يكتمل إلا حين تصبح الحركات الاجتماعية جزأ من هندسة القرار لا من هامشه، وحين تتحول السلطة من مخاطبة إلى مصغية، والمجتمع من محتج إلى مساهم. فالمبادرة التشاركية ليست غاية في حد ذاتها، بل وسيلة لإعادة بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها. وفي النهاية، سيبقى السؤال مفتوحا: هل تنجح التجربة في تحويل تقديس المواطن من شعار إلى ممارسة؟ أم ستبقى رهينة النوايا ما لم تتجسد في قرارات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟ غضت السلطات الطرف في البداية، ثم شددت موقفها: اعتقالات جماعية ومحاكمات سياسية وأحكام قاسية على قادة مثل ناصر الزفزافي. وعلى الرغم من وعود الاستثمار، ترك القمع ندبة دائمة في الذاكرة الجماعية. أظهرت حركة الحراك أن غضب الشعب لم يختف – لقد انتقل ببساطة إلى الهوامش المنسية. 2025: GenZ212، الغضب الرقمي. اليوم، في عام 2025، ظهر شكل جديد من أشكال الاحتجاج: GenZ212. هذه الحركة، التي ولدت على Discord وTikTok وInstagram، تتحدى الهياكل التقليدية. لا قادة ولا أحزاب ولا نقابات – مجرد شباب متصل ومتعلم ولكنه محبط، لا يزال يطالب بنفس الأشياء: الصحة العامة والتعليم وتكافؤ الفرص والتوظيف ووضع حد للمحسوبية والفساد. لم يعد هذا الجيل ينتظر الإصلاح من أعلى إلى أسفل. إنه يخترع نشاطًا رقميًا أفقيًا لامركزيًا يصعب السيطرة عليه أو استقطابه. إنها لغة سياسية جديدة – ساخرة، فيروسية، مبتكرة – حيث تحل الميمات أحيانًا محل الشعارات. الخلاصة: من انتفاضة الدار البيضاء عام ١٩٦٥ إلى جيل Z212 عام ٢٠٢٥، شهد المغرب عقودًا من الثورات والآمال وخيبة الأمل. كل جيل صرخ بالشيء نفسه: الكرامة، العدالة، الإنصاف. في كل مرة، رضخت السلطات قليلًا، وقمعت كثيرًا، ثم انتظرت عودة الهدوء. لكن مع تغير التقنيات وانتشار حرية التعبير، أصبح من الصعب بشكل متزايد إسكات الغضب دون الاستجابة له. لم يعد مغرب ٢٠٢٥ مغرب السنوات المظلمة: إنه بلد يكتب فيه الشباب الرقمي تاريخهم الخاص، ثورة بلا شوارع، ولكن ليس بلا صوت. المغرب يستحق شجاعة أكبر يحتاج المغرب اليوم إلى وضوح سياسي لا يترك مجالاً للالتباس. فالبلاد وصلت إلى لحظة تتطلّب قرارات صريحة تعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتفتح المجال أمام إصلاحات حقيقية تستجيب لتطلعات جيل شاب يرفض التكرار ويبحث عن مستقبل مستقر وعادل. المدخل الأول لهذا الوضوح هو تحقيق انفراج سياسي شامل. معالجة ملفات معتقلي الحراك ومعتقلي الرأي والنشطاء السلميين أصبحت ضرورة وطنية، لا لأن أحداً يضغط من الخارج، بل لأن الاستقرار الداخلي نفسه يتقوّى عندما يشعر المواطن أن صوته ليس جريمة، وأن الدولة قادرة على التعامل مع الاختلاف بروح المسؤولية لا بمنطق الردع. طيُّ هذه الملفات يفتح نافذة ثقة جديدة ويُظهر قدرة الدولة على حماية الأمن دون المساس بحقوق التعبير السلمي.