نبض الشارع

نبض الشارع المغربي : حين يصرخ الصمت …

نبض الشارع المغربي : حين يصرخ الصمت … لم يعد الشارع المغربي كما كان. الهدوء المزيّف الذي كان يغطي وجع الناس تحوّل إلى غليان مكتوم يزداد يوماً بعد يوم. في الأسواق، الحافلات، المقاهي، وعلى الأرصفة، صار صوت المواطن يعلو: تعبنا من الوعود، من اللامبالاة، ومن انتظار غدٍ لا يأتي. في كل زاوية من الوطن، هناك حكاية صغيرة تختصر مأساة كبيرة. أمّ تكافح غلاء المعيشة لتوازن بين قوت أطفالها وفاتورة الكهرباء، شاب يحمل شهادة جامعية يقف على قارعة الطريق يبيع السجائر، موظف أنهكه الروتين وتآكل راتبه أمام الأسعار المتصاعدة، ومسنّ يهمس بحسرة: “كنا نظن أن الغد سيكون أفضل، فإذا به أكثر وجعًا”. يعيش المغاربة اليوم تناقضًا صارخًا بين صور التنمية التي تملأ نشرات الأخبار وواقعهم اليومي الصعب. المشاريع الكبرى تُعرض بفخر على الشاشات،مثل(أكبر ملعب ،أطول برج ،أسرع قطار ..إلخ)لكن المواطن لا يجد صدى لها في حياته اليومية، والأسعار ترتفع بلا حدود، والرواتب مجمّدة، والبطالة تلتهم أحلام الشباب، فيما الفساد ينمو في صمت ويُكافأ من يتقنه.ويعاقب من يعارضه في الأحياء الشعبية، يحكي الناس عن الإهمال وتراجع الخدمات العموميةعلى رأسها الصحةو التعليم ،بينما المسؤولون يعيشون في عالم آخر. ضاعت الثقة في الخطاب الرسمي، وصار المواطن ينظر إلى الوعود بعين الشك بعد تجارب مريرة مع وعود لم تتحقق. الشباب، عماد المستقبل، يشعرون بأن الغد سُرق منهم. فالهجرة لم تعد خيارًا بل حلم جماعي، ومن لم يهاجر بجسده، هاجر بعقله وروحه. سؤال يتردد على ألسنة كثيرة: “واش هاد البلاد ديالنا ولا ديالهم؟”، يحمل الغضب واليأس والحب في آن واحد. ومع ذلك، ما زال الشارع المغربي ينبض بالأمل المقاوم. كل احتجاج، تدوينة غاضبة، أو مبادرة شبابية هي نبضة من قلب وطن حي رغم القهر. المغاربة لا يطلبون المستحيل، فقط دولة تسمعهم، سياسة تخدمهم، وإعلام ينقل صوتهم بلا تزييف. “نبض الشارع المغربي” ليس فوضى، بل مرآة لوطن يبحث عن نفسه، وصوت صادق يعبر عن وجع جماعي طال كتمانه. المستقبل السياسي لا يُبنى بالخطابات وحدها، بل بالإصلاح الحقيقي، وبثقة تُستعاد عندما يشعر المواطن أن كرامته خط أحمر، وأن رأيه مسموع، وأن محاسبة المسؤولين قاعدة وليست استثناء. يجب وضع المواطن في قلب التنمية، والتأكيد على حقوقه في التعليم والصحة والتشغيل والعدالة الاجتماعية. إذا أُصغي إلى نبض الشارع بصدق، يمكن أن تكون بداية نهضة جديدة، مغرب لا يخاف النقد، ولا يكتم الأصوات، بل يصغي إليها ليصنع طريق الإصلاح. الأوطان تزدهر بالحوار، لا بالقمع و الإعتقال، وما دام في الشارع صوت حي، فالأمل حاضر، والنهضة ليست بعيدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى