من المواطنة الشكلية إلى المواطنة الحقيقية الكاملة.

في المغرب، ما زال مفهوم المواطنة الحقيقية يعاني من خللٍ عميق في الوعي والممارسة. فالمواطن غالبًا لا يُرى باعتباره فاعلًا في الشأن العام أو شريكًا في صنع القرار، بل يُتعامل معه كمستهلكٍ للسياسات، أو كصوتٍ انتخابي يُستدعى عند الحاجة، ثم يُعاد إلى الهامش. هذه العلاقة المختلة بين المواطن والدولة أفرزت حالة من اللامبالاة السياسية وأزمة ثقة متجذرة، تُهدد أسس العقد الاجتماعي ذاته. ورغم أن نسبة المشاركة في الانتخابات البرلمانية لعام 2021 بلغت نحو 50٪ من المسجّلين، فإن هذه النسبة لا تُخفي حجم العزوف الشعبي، خاصة بين فئة الشباب. فالكثيرون يرون أن صناديق الاقتراع لم تعد قادرة على تغيير واقعٍ تتكرّر فيه الوجوه والسياسات. وفي المقابل، تُظهر بيانات محلية أن أكثر من ثلثي الأسر المغربية واجهت شكلًا من أشكال الفساد أو المعاملة غير العادلة في الإدارات أو المحاكم، ما يعمّق الإحساس بانعدام العدالة ويقوّض الثقة في مؤسسات الدولة. المواطنة الشكلية، في هذا السياق، تقتصر على الانتماء الإداري وحيازة الوثائق الرسمية. أما المواطنة الحقيقية فهي انتماء فعلي، تُبنى على الكرامة والعدالة والمشاركة في القرار. فالمواطن الذي لا يُسمع صوته، ولا تُحترم كرامته، ولا يجد سبيلاً للمساءلة، يتحول بالضرورة إلى متفرجٍ على وطنه بدل أن يكون شريكًا في بنائه. إن اختزال المواطن في دوره الاقتصادي فقط، بوصفه مستهلكًا أو دافع ضرائب، يفرغ فكرة المواطنة من مضمونها الإنساني والسياسي، ويحوّلها إلى علاقة نفعية محدودة الأفق. الكرامة الإنسانية ليست شعارًا تجميليًا في الخطاب الرسمي، بل هي الشرط الأول لأي مشروع تنموي أو وطني. الكرامة تبدأ من المدرسة التي تُعلّم احترام الاختلاف، ومن المستشفى الذي يعامل المريض بإنسانية، ومن الإدارة التي تضع المواطن في قلب السياسات لا في ذيلها. فحين يُعامل المواطن باحترام وتُصان كرامته، تتولد الثقة، وتنمو روح الانتماء، ويتحوّل الشعور الوطني من عبءٍ إلى التزامٍ واعٍ ومسؤول. إن بناء مغربٍ جديد لا يمر عبر الشعارات ولا عبر الوعود الانتخابية، بل عبر ترسيخ مبدأ المواطنة الفاعلة التي تجعل الإنسان مركز السياسات العمومية لا موضوعها. فبدون كرامة لا توجد مواطنة، وبدون مواطنة حقيقية لا يمكن أن تقوم عدالة، ولا أن تُبنى تنمية، ولا أن يستقيم وطن.

