الفساد في المغرب ليس شخصا

لم يعد الحديث عن الفساد في المغرب ترفًا سياسيًا أو خطابًا أخلاقيًا، بل صار قضية بنيوية تمسّ كل مفصل من مفاصل الدولة والمجتمع. فالمشكلة لم تعد في بعض المسؤولين أو الموظفين الذين يسيئون استعمال السلطة، بل في نظام متكامل من المصالح المتشابكة، يجمع بين المال والنفوذ، ويُعيد إنتاج نفسه داخل المؤسسات والإدارات العمومية والقطاعات الاقتصادية الكبرى. بحسب منظمة الشفافية الدولية، حصل المغرب سنة 2024 على 37 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد، محتلاً المرتبة 99 من بين 180 دولة، وهي مرتبة تضعه دون المعدل العالمي البالغ 43 نقطة. هذه الأرقام لا تُجسّد فقط تقصير الجهود الرسمية في محاربة الفساد، بل تعبّر عن واقعٍ يوميٍّ يلمسه المواطن في تعامله مع الإدارة والخدمات العامة. وتشير تقارير رقابية إلى أن الصفقات العمومية، التي تمثل نحو 20 في المائة من الناتج الداخلي الخام وتبلغ أكثر من 40 ألف صفقة سنويًا، ما تزال مجالًا خصبًا للمحاباة والريع وغياب الشفافية. كما تُظهر دراسات اجتماعية أن أكثر من ثلثي الأسر المغربية ترى أن القضاء والإدارة العمومية غير نزيهين بما يكفي، وأن الحصول على بعض الخدمات يتطلب وساطة أو رشوة. هذا الواقع يُفرغ مبدأ تكافؤ الفرص من معناه، ويُشيع مناخًا من عدم الثقة، حيث تُقدَّم الولاءات على الكفاءات، ويُكافأ المقرّبون بدل المؤهلين. الفساد البنيوي لا يضر فقط بصورة الدولة، بل ينعكس مباشرة على حياة المواطنين: مدارس تفتقر إلى الجودة، ومستشفيات عاجزة، وفرص عمل محدودة، وبطالة بين الشباب تتجاوز 12 في المائة على المستوى الوطني وتصل في المدن إلى أكثر من 20 في المائة. إنها نتائج منظومة تُهدر موارد الوطن وتُضعف روح المبادرة والإنتاج. محاربة الفساد لا تتحقق بالشعارات ولا بالمحاكمات الانتقائية، بل بإرساء نظام مؤسساتي شفاف يفرض المساءلة العلنية، ويُمكّن المجتمع المدني والإعلام الحر من ممارسة دوره الرقابي. كما ينبغي أن تُنشر ميزانيات الجماعات المحلية بوضوح، وأن تُراقب الصفقات العمومية عبر آليات رقمية مفتوحة للجميع. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتبديل الأشخاص، بل بتفكيك الحلقة التي تربط السلطة بالمال والإفلات من العقاب. إن بناء دولة نزيهة يتطلب إرادة سياسية صادقة تُعيد الثقة بين المواطن والدولة. وحين ننتقل من منطق الولاءات إلى منطق الكفاءات، ومن ثقافة الخوف إلى ثقافة المساءلة، يصبح الفساد استثناءً لا قاعدة، وتغدو النزاهة أساس الحكم لا شعاره.


