قضايا طلابية

الجامعة… ذلك الوطن الصغير الذي يكبر فيه السؤال قبل الجواب

داخل أسوار الجامعة المغربية، يتحرك مجتمع كامل يشبه البلاد في صورتها الخامّة، دون تجميل. هنا تختلط أحلام الشباب، هشاشتهم، غضبهم، فقرهم، ذكاؤهم، وارتباكهم… لتشكل ما يشبه “مختبر الهوية المغربية الجديدة”. فالجامعة ليست فضاءاً للدراسة فقط؛ إنها المكان الوحيد الذي يرى فيه الطالب المغرب كما هو… لا كما يُروى. في قاعات المحاضرات، يظهر التفاوت الطبقي بشكل صارخ: طالب جاء من قرية بعيدة يحمل كيس خبز ودفتر مستهلك، وطالب آخر يأتي بسيارة صغيرة يشاركها مع زملائه، وأستاذ يقف أمامهما وهو يعرف تماماً أن بينهما مسافات أكبر من مسافة الطاولة. لكن الغريب أن هذه المسافات الاجتماعية لا تمنع امتزاج الأسئلة: كيف ننجو في بلد لا يفتح الأبواب بسهولة؟ كيف نخلق أنفسنا من جديد؟ وإلى أين يمضي هذا الجيل؟ السكن الجامعي هو فصل آخر من القصة. غرف ضيقة، أسِرّة متآكلة، إنارة ضعيفة، لكن وسط هذا كلها تبدأ أجمل صداقات العمر. شباب يقتسمون الخبز، الضحكة، الخوف من الامتحانات، ويقتسمون أيضاً أسراراً لا يقولونها لأحد: الحاجة، الوحدة، الشعور بالظلم، والخوف من العودة إلى القرية بلا شهادة وبلا حلم. داخل المكتبة، يختلف الزمن. تغيب الفوضى، يحضر الصمت، وتسطع الحقيقة: الجامعة هي آخر حصن معرفي يحاول أن يقاوم التفاهة التي غزت كل شيء. طلاب في كامل التركيز يقرؤون كتباً قديمة، لكن رؤوسهم مشتعلة بأسئلة حديثة: الهوية، الحرية، الدين، العدالة، الدولة، المستقبل… أسئلة أكبر من عمرهم، لكنها تنبت فيهم لأنهم يعيشون تناقضاً يومياً بين التعليم وحياة الشارع. في حلقات النقاش، يتكشف الوجه السياسي للمغرب الشاب: طلاب يساريون، إسلاميون، مستقلون، آخرون لا ينتمون لشيء سوى للغضب الصامت. يتجادلون بشراسة، لكن في العمق يجمعهم همّ واحد: بلاد لا يجدون فيها مكانهم بسهولة. الجامعة المغربية اليوم تحمل جرحاً كبيراً: الفجوة بين ما يتعلمه الطالب وما يحتاجه الواقع. يدرس سنوات من النظريات، لكنه حين يتخرج يكتشف أن سوق الشغل لا يسأل عن الفلسفة السياسية، ولا عن التحليل السوسيولوجي، ولا عن تاريخ الأفكار… يسأل فقط: “شنو كتقن؟” هنا يحدث الانكسار الأول: طالب حلم أن يغيّر العالم، يجد نفسه يبحث عن عمل لا يغيّر حتى حياته. ومع ذلك، رغم هذا الألم كله… الجامعة تظل المكان الوحيد الذي يصنع الوعي. هي الورشة التي يبني فيها الشباب لغتهم السياسية، موقفهم الأخلاقي، وعيهم بالذات وبالبلاد. هي الفرصة الأخيرة ليؤمن الطالب بأن المستقبل ممكن، حتى وهو يرى المغرب يضغط على أحلامه بشدة. الجامعة ليست بخير… لكنها ما زالت تنبض. وما دام نبضها حياً، ما زال في المغرب أمل يتنفس.

GEN212

صوت الجيل الصاعد، وكاتب رأي متخصص في تحليل قضايا الشارع المغربي من زاوية الشباب. نؤمن بأن الإعلام الحقيقي يبدأ من المواطن. مهمتنا هي كسر حاجز الصمت، نقل الحقائق الصادمة حول الفساد، والتركيز على العدالة الاجتماعية والفرص المهدرة لجيلنا. في موقع "الشعب الإخباري"، لا ننقل الخبر فحسب، بل نصنعه من قلب الواقع.
زر الذهاب إلى الأعلى