عين المواطن

حين يرى الناس ما لا تُظهره التقارير

في شوارع المغرب اليوم، لا يحتاج المواطن إلى نشرات الأخبار كي يعرف وضع بلاده. يكفيه أن ينظر حوله: مراكز صحية مكتظة، مدارس متعبة، شباب ينتظر فرصة لا تأتي، وأحياء تتغير بسرعة لا يفهم أحد اتجاهها. “عين المواطن” ليست مجرد نظرة؛ إنها عدسة حقيقية تكشف ما يخفيه الكلام الرسمي والصور المصقولة. حين يسير المواطن في السوق الشعبي، أول ما يلاحظه هو الوجوه. وجوه متعبة، تفكر قبل كل عملية شراء، تزن بين الحاجة والجيب، وبين الرغبة والقدرة. لا أحد يحتاج إلى تقرير اقتصادي ليعرف أنّ الأسعار ارتفعت. المواطن يسمع الغلاء في صوت البائع قبل أن يراه مكتوباً على اللوحة. يرى التوتر في عيون الأسر التي تحاول الموازنة بين كل شيء: الكراء، النقل، الفواتير، مصاريف المدرسة، وحتى دواء الطفل. في الطريق، يرى المواطن سيارات الإسعاف تتردد على المستشفيات، ويرى المرضى ينتظرون ساعات طويلة من أجل فحص بسيط. لا أحد يقول له إن النظام الصحي يعاني… هو يراه. يراه في العيادات المكتظة، في مواعيد المستشفيات التي تُحجز لشهور، وفي معاناة المسنين الذين يبحثون عن دواء غير موجود. وفي المدرسة، يرى المواطن أبناءه يجلسون في أقسام مكتظة، أستاذ واحد أمام أكثر من أربعين تلميذاً، كتب ثقيلة، منهج لا يتغير، وحلم بالنجاح يصطدم بواقع مرّ. لا يحتاج الأب إلى خبير تربوي ليعرف أن المدرسة العمومية مرهقة… يكفي أن يحاول ابنُه إنجاز واجباته وهو لا يجد من يساعده إلا إرهاق اليوم. أما في الزنقة، فالمواطن يرى كل شيء: يرى الشباب الذين يجلسون على الرصيف في انتظار أي فرصة للعمل، ويرى من يحمل دبلومات ولا يجد وظيفة، ومن اكتفى بعمل بسيط بعدما فقد الأمل. هذه ليست أرقام بطالة… هذه حياة. حين يدخل المواطن إلى الإدارة، يرى البيروقراطية بوضوح: طابور طويل، موظف يتأخر، وثيقة غير واضحة، توقيع زائد، ومعلومة ناقصة تجعل المواطن يعود غداً. يخرج وهو يردد: “لماذا نعقد البسيط؟”. وفي المساء، يفتح المواطن هاتفه، فيرى الأخبار، يرى تصريحات رسمية تتحدث عن “تقدم”، “إنجازات”، “مشاريع كبرى”. لكنّه يقارنها بما رآه خلال النهار… فلا يجد الرابط دائماً. المغربي لا يطلب الكثير؛ يريد فقط أن تتطابق الكلمات مع الواقع، أن يشعر بأن الدولة تراه كما يراها، وأنّ من يقرر يفهم كيف يعيش الناس فعلاً. عين المواطن ليست عدسة نقدية فقط، بل عين محبة للبلاد، حريصة عليها، ترى الأخطاء كي تُصلح، وترى الضعف كي يقوى. وإذا أراد أي مسؤول أن يعرف حقيقة المغرب، فليخرج إلى الشارع دون حراسة، ويمشي وسط الناس، ويستمع إلى ما يقوله البقال، والسائق، والأستاذ، والعاطل، والأم… حينها فقط سيعرف ما لا تقوله التقارير.

GEN212

صوت الجيل الصاعد، وكاتب رأي متخصص في تحليل قضايا الشارع المغربي من زاوية الشباب. نؤمن بأن الإعلام الحقيقي يبدأ من المواطن. مهمتنا هي كسر حاجز الصمت، نقل الحقائق الصادمة حول الفساد، والتركيز على العدالة الاجتماعية والفرص المهدرة لجيلنا. في موقع "الشعب الإخباري"، لا ننقل الخبر فحسب، بل نصنعه من قلب الواقع.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى